كانت البداية الماطرة ، إلهامي الوحيد للكتابة *
أنهيت ترتيب كتبي الدراسية صبيحة اليوم بعد صلاة الفجر لأنطلق إلى مطعم السكن وأنا أفكر كيف يمكن للإنسان أن يخلق الحياة في الجمادات ! كيف يمكنني أن أرى المجمع السكني مظلماً وموحشاً ، مملاً و رتيباً ، روتيني أكثر من العادة ، في حين تنفجر الضحكات في زاوية المبنى ١٤ ، ثلاث فتيات يتحدثن باللغة التركية والابتسامة تشق الشفاه وهن يسردن بشغف والضحكات تعلو ، وتعلو ، ثم !
حسناً الان علي أن أفهم ، الشمس مشرقة ، زقزقة العصافير ، صباح خفيف ، ريح هادئة ، وجو بارد لطيف ، جدولي لم يكن مزدحماً .. محاضرة واحدة تنتظرني .. وهي الوحيدة التي تسترد شغف الحديث فيَّ .. ما الذي يحدث اذاً .. !
حينها ضحكت بعصبية لكسر هذه الدوامة وأنا أتذكر البيت للكمالي " لم أستطع ملء الصباح بأن أرى شيئاً جميل " ..
" هل يمكن أن ترمم إرادة إنسان لم تعد تربطه بالحياة رابطة ؟ أنا ذاك الإنسان . لا لست إنساناً ، السجن في أيامه الأولى حاول أن يقتل جسدي "
حسناً يجب أن أتوقف عن قراءة كتب أدب السجون ، لأن ما يحدث الان في عقلي لا يكاد يصدق ! أعني لا يحتمل حقاً .. إنها مأمورية ... قد أحتاج ما تبقى من أمل .. حفنة من الأمل .. أو حتى بصيص .. لكن لا يحدث .. !
عبد الرحمن منيف يفتعل ما لا يفتعله أي روائي آخر ،
رجب كان الأول في تغيير مبدأ أن الكلمة هي السلاح .. لقد قال " الكلمة ليست السلاح إنما ضميرك وعقلك هو السلاح الحقيقي "
اعتصرت حزناً وانا اقرأ أدب السجون لقد استُهلكت تماما ( العتمة الباهرة ، القوقعة ، شرق متوسط ، الان هنا ).
هل الحرية مخيفة لهذا الحدَّ؟
هنا فقط في دول الصحراء كل شيء متوقع .
..لطالما قلت أن السكوت جريمة كبرى ندفع ثمنها كل يوم لكن أكثر من يدفعون ثمن ذلك هم السجناء السياسيون .. كيف يمكن لصمتك أن يحول جسدك إلى خردة ! وأن يجعلك تفقد الرغبة في الحياة !
عندما قرأت كل هذه الروايات أقصد الوقائع بكيتُ بحرقة فقط لأشفي غليلي وما بين بكائي والزمن عدد لا متناهي من الموتى في هذه الصحراء للاسباب التي لا يعلمها سوى سيد البلاد ...
أنت لست مستهدفاً ككائن سياسي بالدرجة الأولى ولا ككائن ديني بالدرجة الثانية .. المستهدف فيك الكائن الإجتماعي أو أي علاقة خارج ذاتك .. *
المستهدف هو الحب وذوقك الجمالي والإنساني ..
أتذكر رفيقتي التي بكت لموقف إنساني أمام محل بيع المواد الإستهلاكية وهي تتوسل لصاحب المحل أن يترك بيع السيجارة التي لا تتعارض مع الدين بل مع العقل لأنها تتعلق بالموت .. حتى الجسد يرفضها .. هذا المنظر من تجليات الرحمة في العبد بل من أقدس المواقف التي مررت بها ..أن تبكي لان الرحمة تتجلى في قلبك .. نحن مدعوون دائماً للرحمة .
" والشاة إن رحمتها رحمك الله " قالها رسول الله للرجل الذي قال للنبي : " إني لأرحم الشاة أن أذبحها .
هذا النبي الذي جاء ليؤكد دائماً أن وجوده رحمة ..
عندما قال. : " يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة "
وقوله " خاب عبد وخسر ، لم يجعل الله في قلبه رحمة "
هذه الرحمة مذهبٌ إنساني قبل أن يكون إسلامياً ، أن تورث هذه الصفة الإلهية العظيمة ، أن يأتي خاتم الرسل داعياً لها ، أن تنبثق منك كينبوع في كل أرض.
كانت البداية الماطرة ، إلهامي الوحيد للكتابة *
أحمل صحني المملوء بالعدس ، شريحة بيض ، وخبز أسمر ، حسناً الان في ذهني الحوار الذي دار بيني وبين الدكتور حول فاعلية الدين .. أتذكر فيها كتاب الفريضة الاسلامية لعباس محمود العقاد .. الرجل الذي أغبطه لأنه تعلم خارج ذلك النظام المؤسس .. خارج قيود ومسار الحكومة .. دائما أقول لا يوجد هنالك شيء سيء في النظام مثل تخريب التعليم بوضعه تحت قالبه ، أن تتعلم كل شيء دون وضعك في مجال محدود وخيارات محدودة ، المعرفة للجميع ، الحرية للتعليم .
أتذكر المقولة التي تقول " ماذا لو كان حل دواء مرض السرطان في عقل طفل في السابعة من عمره لم تسعفه الظروف بأن ينخرط في مؤسسة تعليمية "
حسناً أستاذي ، لم يكن المقصد أن يتم طرح بعض الأسئلة أو حتى فتح باب للنقاش حول موضوع هل الموسيقى حلال أم حرام ؟ هل الاختلاط حلال أم حرام ؟ هل سفر المرأة بدون محرم حلال أم حرام ؟ هل نقش الحنى في ظهر اليد مغري للرجال أم لا ؟
كان الأمر أكبر من هذه الامور السطحية جداً وأنا أسترجع حديث التجديد واستخدام العقل لا ليكون شماعة نعلق عليها أقوال الاخرين دون النظر والتأمل والتمحيص ..
حين طُرحَ سؤال الاختلاط كانت ردة الفعل مؤكدة بصرخة موحدة "حرام !" لكن لم يُفهم في أي نطاق هو هذا الإختلاط ! فإن قيل تعليمي.. قالوا حرام إلا إذا كان علماً شرعياً ! وما الفرق وكلها علوم تقودك في نهاية الأمر -مع الإيمان- إلى الله ! أم أننا تناسينا قول أبو حامد الغزالي في كتابه احياء علوم الدين أن كل العلوم الطبيعية والعلوم الشرعية هي علوم يؤجر المرء بتعلمها و لم يكن أحدٌ يفرق بينهما بل كان كل من درس الجبر والفلك كان عالماً بالشريعة ..
نحتاج إلى فهم الظروف ، نحتاج للجوهر ، نحتاج إلى رؤية أوسع .
أخاف جداً من العقلية التي تحذر من الفلسفة ومن الشعر ومن العلوم الطبيعية ، حقاً مخيف أن تنحصر الطرق لمعرفة الله في قالب واحد وهي العلوم الشرعية لا غير . أتذكر العالم الكيميائي الذي يقول : " حين يتزعزع إيماني أذهب إلى مختبر العلوم كي أثبته " .
"وماذا عن الضياع الديني وصرخة المسلمين في الغرب" ! الكتاب الذي كتبه أشهر علماء الرياضيات " جيفري لانج"
الذي لازلت أغبط طريقة إيمانه بالله ، أن يُعمل عقله ويتحرك الفضول للبحث والنظر والتأمل .. لينتهي من ١٨ عاماً تحت وطأة ضيق الكاثوليكية لينفتح عقله إلى رحابة الإيمان والإسلام .
أن تقف بعقلك عند هذا الحد الضيق في الفهم لن يسعفك لإكمال ما تبقى من حياتك .. يقول الحق " : بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ "
فكّر ! أين موضعك في هذه الموجة !
"وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الغافلون"
أتذكر قول الحارث المحاسبي " لكل شيء جوهر وجوهر الدين العقل .. وجوهر العقل التوفيق " لا تعش تحت جلباب المشائخ فكّر ، قارن ، قارب واجتهد ..
وهذا يقودنا إلى حقيقة ارتباط العقل بالإيمان .. أن لا يكون إيمانك بالله نابعاً من إتباع وتقليد أعمى دون إعمال العقل .. كأن يحل الشيخ محل عقلك .. فتحكم الأمور على حسب منظور شيخك فإن قال لا فهو لا وإن قال نعم فتمضي دون أن تحرك تلك الطنجرة في رأسك .. يجب أن يكون لديك سبب عقلي أيضا للإيمان .. أن تخضع عقلك للفكر والتمحيص ..
وهنا أتذكر مقطعاً صوتياً للدكتور عبد الوهاب المسيري عن موضوع علمنة التدين .. وفيه يقول : بل ويمكن علمنة التدين نفسه حينما :
أ. يحل الاله في المؤمن ويصبح من الممكن معرفة الإله من حالة شعورية أو تجربة جمالية يخوضها الانسان أي أن الاله يصبح أمراً خاصاً بالقلب والضمير الشخصي . لا يركز المؤمن إلا على الجوهر الرباني الواحد ويغرق في تمارين صوفية لمحاولة الالتصاق بالخالق والتعلق به ومحاولة الانسان ان يتحرر من المادة ليحقق صفاء روحيا ومن ثم تصبح كل الامور الزمنية عرضية .. ويصبح على علاقة خاصة بالخالق بل احيانا يعتقد أنه يعرف الارادة الالهية وبدلا من طاعة الخالق فإنه يطوع الخالق بحيث يعطي شرعية لأفعاله ..
* كانت البداية الماطرة ، إلهامي الوحيد للكتابة *
" نحتاج إلى قراءة واحدة في الأدب ... لنفهم الإنسان "
قالت صاحبتي التي لازالت في المدرسة ..
لازلت لا أفهم كيف من الممكن لقارئ أن يقلل من قيمة الرواية ..
حسناً ، تعال قليلاً لنسبر معاً بعض أغوار الادب ، أتذكر حينما أنطلقت بنا الطائرة من سماء السلطنة إلى إيران كنتُ أفكر في هكلبري فن .. آذر نفيسي .. ديستوفسكي .. آلبير كامو. .. وصورة كافكا في مخيلتي .. لكن توقف بي الأمر أن أتذكر إجابة معيوف الرواحي عن قتل أحد شخصياته الروائية بعد خروجة من السجن .. كنت أتمنى أن أجد إجابة مقنعة أكثر من الصمت .. كان الصمت فقط .. لا شيء ..
حسناً كان سؤال الانسة آنا في محاضرة الأمس مقنعاً " .. لماذاً لا نستطيع أن نُعمل الخيال .. ؟ أن نتحرك أكثر من قالب الروتين والإجابات المملة .. أريد تنوعاً " .. هكذا عبّرت ..
كانت رغبتي حينها أن أجلس في الممر وأن أبدأ باللعب بالدمى وأنا أتخيل الشخصيات التي كنتُ أخلقها .. كانت لي رغبتي الخاصة في الذهاب إلى مكان آخر .. إلى مخبأ سري كي يأخذني إلى عالم موازٍ .. مارغريت كانت خلف الباب في إحدى الاستراحات .. أما إيميلي نوتوب كانت في غرفة الصلاة .. تحديداً بعد انتهاء صلاة العشاء .. لا أذكر مكان محدد لآذر نفيسي كانت تتجول معي في كلاردشت .. وعند حوض السمك .. كانت معي في ليلة ماطرة .. وحتى في فنائنا الخلفي ..حتى أنها قاطعت حديث أبي وهو يصف منظر الجنة .. !
كنت أميز بين عالمي الواقعي والمتخيل ..كنت أعرف أن في مرحلة ما يتعين عليّ أن أعود إلى الحياة الواقعية ، وسيكون هذا شيئا مناسباً ، طالما أني أحمل عالمي المتخيل ، وستكون معي على الدوام ، بشكل من الاشكال، القصص والرحلات وحتى الأمور المتعلقة بالشعور .
نحتاج الثورة في الخيال .. نحتاج جمهورية آثر نفيسي .. وصراع كافكا وناكاتا .
نحتاج إلى الأدب ..
مالذي لا يصنعه الأدب بنا ؟
* كانت البداية الماطرة ، إلهامي الوحيد للكتابة *
"قيثارتي ملئت بأنات الجوى
لابد للمكبوت من فيضان"
انتهى. ٢٧/٢/٢٠١٧
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق